الجمعة، 28 جانفي 2011

ثورة الكرامة رطّبت كلوم الرّبوع المسحوقة





مقتطفات من 
ثورة الكرامة رطّبت رُبوع الكُلوم المَسحوقَة

أَشعَل النّارَ بجسدٍ أنهكتْهُ غلائِل الظلم ... أشعل حُرقة أثقلت صدره المُتعب و أشعَلَ ثورة كامنة في نفوسٍ تلظّت من سعير القهر و سطوة الذّل... أشعل جذوة روحه المقهورة ليُضئ على كاهل شعب يعيشُ الظّلام المُتقع .... شعبٌ يرزحُ تحت تتار الفقر و مغول التّهميش .. 

منذُ عقدين و أكثر و أرض الخضراء تعيشُ غيبوبة فُرضت عليها... فُرضت بالقمع بالتّرهيب بسكب الخوف في مآقيها ... لطالما نَشَدَ جوفها المُلتهب : غدا يبلُغ السّيل الزّبى ... غدا تَتفجّر عُيون الأحرار كرامةً و نصرا... غدا حمم العزّة ستُحرقُ بطون الفساد جهرا.... غدا أعذاق الزيتون ستغتال أقدامكم المغموسة بوحل القذارة وتُطعم حلوقكم سموم المرارة و تَطْمر نَكبة تفجّرت مِن محاجر رقطاء و نِفايَات قذرة تقترف المنكر و البغضاء.


نشَد جوف الأرض سرّا أحلام المضطهدين .... رتّل آمـال المقهورين.... إلى أن قضى الله أمرا كان مفعولا و تفجّرت عيون الحريّة نُـورا و عزّة و كرامة و حُبورًا..... بُتِرت أذرع الضّباب الزّنيم  من جذورها ... استأصلت أورام الفساد من أوكارها .... و لبّت الأقدار نداء الأرض ... هذه الأرض المرويّة بدماء الشّهداء و نِضال الأحرار و ثمار الحرائر و دموع الثّكالى  و عَرَق الأخيـار.


   و كانت ثورة الكرامة ... ثورة شعب أعزل لم يهب سياسة القمع و التّرهيب عرض صدره الأخضر أمام مصّاصي الدّمـاء. ملحمة العزّة و الكرامة التّي نسجت جدائلها الحريريّة  شلاّلات الشمس الساطعة من تونس الحرّية .


 أوقدت شعلة النّصر قناديل الزيتون الشامخ في نفوسٍ التحفت لهفة العزم و البقاء.... رطّبت كُلوم الرّبوع المسحوقة تحت وطأة الجدب و لثَمَ ماء الحياة جُذورًا اضطرمت أفنانها من العطش... وانبثقت ثورة الكرامة عقدا من الحرّية يُعانق جَبين الخضراء.

هذه الثورة التّي قبضت على الجمر المُلتهب فغدت أنهار اللّهب المتدفّقة بردا و سلاما هي نتاج سواعد شعب آمن بالحرية والكرامة و آمن بأنّ جلاّد الفجر ستلفّه ستائر الظلام وأنّ طائر قرطاج سيَنفض الرّماد المكدّس فوق جناحيه ويُطلق نسائم الحرّية من ضياء مُقلتيه
.


هذه الثورة البيضاء التّي اكتسبت شرعيّّة دخولها للتّاريخ من الباب الكبير كأوّل الثورات التّي انبثقت من دون رأس مدبّر و لا حزب مُخطّط و لا أطراف خارجيّة تدعمها إنما ثورة انبثقت من قامات الشهداء الذين ننحني لهم إجلالا و عرق الكادحين و المضطهدين .... ثورة نقيّة و فريدة ليست كبقيّة الثورات التي شهدها التاريخ, غيّرت خريطة المنطق و التّفكير و أعطت درسا لكلّ باغٍ مستبدّ حقير .... رسمت خطواتها بضوع الكرامة و عبق الحرّية و خطّت تفاصيلها بسواعد شعب نَشَد العدل و القِيم الإنسانيّة.


 ثورة الكرامة نيشان فخرٍ على جبين كلّ تونسي و عربي و كل حُرّ أبِيّ و خطٌّ أحمر اغتيالها من طرف لهاث المتسلّقين و لُعاب المأجورين و قذارة المتواطئين و ستظلّ وفيّة لأرواح الشهداء و صنّاعها من الشباب الأحرار ونضال أجيال وراء أجيال تضوّعت عَرق الأخيار. ثورة شهدها  القاصي و الدّاني و يُدرك الجميع أن ثورة الكرامة ملك الشعب و الجماهير و إن لم يدركوا فعليهم أن يتداركوا و يعلموا أن الالتفاف على أملاك الشعب مآله الرّحيل تحت جناح الظلام كما هرب غراب الشؤم حين أذّنت أرواح الشهداء وأطلقت السلام.

يسر فوزي 
تونس ... 19 جانفي 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق